يُذكر في الحديث أن الدجال عريض النحر ومشرف الجيد. وقد فسر ابن منظور في "لسان العرب" كلمة "النحر" بأنها أعلى الصدر، وقيل: هو موضع القلادة، أي المكان الذي تُعلق فيه القلادة. وقد ورد هذا التفسير أيضاً في "المحكم والمحيط الأعظم" و"معجم متن اللغة". وذكر ابن منظور أيضاً أن "النحر" يُطلق على مكان ذبح البعير، كما في قوله: "نحر البعير ينحره نحراً" أي "طعنه في منحره حيث يبدو الحلقوم من أعلى الصدر".
ومما سبق يتبين أن "النحر" هو العنق. وعليه، فإن "عريض النحر" تعني أن عنقه قصير وغليظ.
وفي حديث حذيفة رضي الله عنه الذي رواه الحاكم، يُذكر أن الدجال "مشرف الجيد". و"الجيد" هو الحلق أو موضع القلادة، وإن كان يُطلق في بعض الأحيان على العنق كله. وقد ذكرنا سابقاً أن "المشرف" يعني أن يكون الشيء مرتفعاً عن مستوى ما يحيط به، كما في مثال التل. وفي هذا السياق، لا تعني كلمة "مشرف" مع "الجيد" طول العنق، لأننا ذكرنا سابقاً أن الدجال قصير العنق، أي غليظ. وتُستخدم كلمة "جيداء" في وصف المرأة ذات العنق الطويل الجميل، كما في قولهم: "امرأة جيداء"، ولا تُستخدم في وصف الرجل.
قال ابن منظور في "لسان العرب": "قد يُوصف العنق نفسه بالجيد فيُقال: عنق أجيد كما يُقال: عنق أوْقَصُ. التهذيب: امرأة جَيْداءُ إذا كانت طويلة العنق حسنة، لا يُنْعَتُ به الرجل".
وذكر ابن منظور أيضاً في "لسان العرب": "الجيد: العنق، وقيل: مُقَلَّدَه، وقيل: مُقَدَّمَه"، وقد نقل هذا المعنى أيضاً "اللطائف في اللغة" و"القاموس المحيط" و"تاج العروس" و"معجم متن اللغة". وذكر "لسان العرب" و"معجم متن اللغة" أن هذه الكلمة غلب استعمالها على عنق المرأة. ولكن في رواية الحاكم، استُخدمت كلمة "الجيد" في وصف عنق الدجال، ولعل ذلك راجع إلى لهجة قبيلة الراوي العربي. ولكن من الواضح أن المقصود ليس طول العنق، لأن الدجال وُصف في موضع آخر بأنه "عريض النحر". ولعل المقصود أن جزءاً من عنقه مرتفع عن باقي الأجزاء، وهذا الجزء هو الذي سُمِّي في الرواية "الجيد"، أي الحلقوم. وقد رأينا في أقوال العلماء أن "الجيد" يُطلق على مقدمة العنق.
وعليه، فالمعنى أن مقدمة عنق الدجال أو حلقه بارز بسبب زيادة الجلد أو اللحم. وهذه الحالة تُشاهد في بعض الأشخاص الذين تكون لديهم ترهلات أسفل الذقن وحلق بارز. وربما يكون حلقومه بارزاً أيضاً، وهذه حالة تُشاهد في بعض الأشخاص.
الحديث:
عن زيد بن وهب، قال: كنا عند حذيفة في هذا المسجد، فقال: «أتتكم الفتن ترمي بالعسف، ثم التي بعدها ترمي بالرضخ، ثم التي بعدها المظلمة ما فيكم رجل حتى يرى ما ترون، لم ير فتنة المسيح فيراها أبدًا»، قال: وفينا أعرابي من ربيعة ما فينا حي غيره، قال: سبحان الله يا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كيف بالمسيح وقد وصف لنا عريض الجبهة مشرف الجيد، بعيد ما بين المنكبين، فأنا رأيت حذيفة ودع منها ودعة.
روى هذا الحديث الحاكم في "المستدرك" وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين، فقد احتجا بعمران بن مسلم، ولم يُخرجاه". وقال الذهبي أيضاً: "على شرط البخاري ومسلم".
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ...وأما مسيح الضلالة؛ فإنه أعور العين، أجلى الجبهة، عريض النحر، فيه دفأ، كأنه قطن بن عبد العزى ” [رواه أحمد برقم 7564 ، البزار و أبو داود الطيالسي و ابن أبي شيبة: ج 15 ص 129 ح 19304، الإصابة - ابن حجر - ج ٥ - الصفحة ٢٨٩]




Comments
Post a Comment